
شكل الجنة وكيفية الحياة فيها من الأمور التي أتفكر بها كلما قرأت آيات القرآن التي تصف الجنة، رزقنا الله إياها جميعًا. وهذه الخاطرة هي نتيجة تأملات في آيات القرآن الكريم التي تصف نعيم الجنة، ومحاولة في تدبر معانيها من منظور مفاهيم البشر في القرن الحادي والعشرين. وأؤكد أن ما يرد هنا ما هو إلا خواطر وتأملات، وليس عبارة عن معتقدات أو تفسير لآيات القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة
شكل الجنة
في مخيلتي أرى الجنة عبارة عن كوكب، أو كواكب، أو منشأة فضائية ذات صالحية فائقة للحياة. فبالنسبة لكوكب الأرض الذي نعيش عليه فإن المحيطات تشكل الجزء الأكبر وهو ما نسبته 71% من سطحها. أما النسبة المتبقية والتي تشكل 29% فتشمل الصحاري، والأراضي القاحلة، ولا تشكل الجنان منها إلا الجزء اليسير، والتي هي لقلتها تعتبر وجهات سياحية. أما الجنة في الحياة الآخرة، فهي كلها حدائق وأشجار وأنهار. فوصفها في القرآن الكريم
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) – سورة الرحمن
مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) – سورة الرحمن
سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم (21) – سورة الحديد
سكان الجنة
المجتمع في الجنة هو مجتمع مثالي ومتطور، أصحابه تم انتقاؤهم بعد تمحيص دقيق، وليس فيه أسباب للمعصية أو الحسد، وليس فيه أحد مسخر لخدمة شخص آخر. فنظام الخدم يختلف عن مثيله في الدنيا، حيث اعتدنا أن الخدم في الدنيا بشر. وبما أن العمل والشقاء يزولان في الجنة، إذا هم ليسوا بشرا، وأرى أن الأقرب لفهمنا المعاصر أنهم أشبه بالروبوتات حيث في القرآن الكريم
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) – سورة الواقعة
رفاهية الجنة
الحياة في الجنة حياة مرفهة، فيها الغرف والقصور، والثياب الراقية. ووصف ذلك في القرآن الكريم
إِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ، وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ، وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) – سورة الإنسان
وفيها، والله أعلم، من القصور الشاهقة (ناطحات السحاب)
لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) – سورة الزمر
والأبواب فيها تفتح أوتوماتيكيا دون جهد بشري
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ (50) – سورة ص
وأقتبس هنا من تفسير الطبري: “فإن الفـائدة فـي ذلك إخبـار الله تعالـى عنها أن أبوابها تفتـح لهم بغير فتـح سكانها إياها، بـمعاناة بـيدٍ ولا جارحة، ولكن بـالأمر” – انتهى الاقتباس
كما أن التعرف على الأماكن في الجنة لا يحتاج الى جهد، وأتخيل أن هذا أشبه بأنظمة الملاحة الإلكترونية التي سخرها الله لنا في هذا العصر
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) – سورة محمد
الحور العين
والحور العين هن خلق خاص، غير نساء الجنة من المؤمنات. أظنهن، والله أعلم، أشبه بالروباتات الشبيهة بالبشر . ووصف القرآن لهن غير مألوف ويدعو للتدبر. فوصفهن في القرآن الكريم
إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) – سورة الواقعة
فكلمة أتراب حسب المفسرين تعني أنهنّ مستويات على سنّ واحدة. وهذا ما لا تتوقعه عادة في وصف الجمال الا إذا كان هنالك معنى أعمق يحتاج الى تدبر أكبر. وما أفهمه هنا من هذه الكلمة أن الحور العين على شكل وتصميم معين سيكون معروف للجميع
وأقتبس هنا من خواطر محمد متولي الشعراوي: “ومعنى أَتْرَابٌ متساويات في الحُسْن، أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات” – انتهى الاقتباس
ومن وصفهن أنهن
حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام، (72) – سورة الرحمن
فهن يُشبهن الروبوتات لسن في حاجة إلى مغادرة هذه الخيام وينسب عن ابن عباس قوله أن الخيمة هنا عبارة عن درة مجوفة
السلامة العامة في الجنة
في الجنة لا وجود للآلام والأوجاع. كل شيء مصمم بالشكل الأمثل لراحة وسلامة أهل الجنة. فلا أمراض، ولا حيوانات مفترسة، ولا حشرات سامة، ولا أعاصير، ولا شمس حارقة، ولا برد قارص. ووصف ذلك في القرآن الكريم
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا، وَلَا يُنزِفُونَ (19) – سورة الواقعة
مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) – سورة الإنسان
شغل الجنة
في الحياة الدنيا لا بد أن نعمل ونكد من أجل توفير الحاجات الأساسية لحياة كريمة. أما في الجنة فإن شغل أهل الجنة هو شغل ممتع. حيث يقول المفسرون بأن كلمة “فاكهون” في الآية الكريمة تعني فرحون
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) – سورة يس
وعليه فلا حاجة في الجنة لدراسة الهندسة، والطب، والزراعة. وإنما أتخيل أن أهل الجنة سيشغلون بما نعتبره في هذه الحياة الدنيا من الهوايات
وأحبب أن أختتم هذه الخاطرة بهذا الخبر النبوي من صحيح ابن حبان
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم لأصحابه: ألا هل مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبدا في حبرة ونضرة، في دار عالية سليمة بهية، قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله. قال: قولوا: إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليه
وصل اللهم، وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم
فراس جرار
بتاريخ 12 ذو الحجة 1445
الموافق 18 حزيران 2024