
كنت أتساءل دوما عند زيارة الدول الغربية عن سر تلك التماثيل المنتشرة سواء في المتاحف أو القصور، أو في الحدائق العامة. فهي لا تبدوا لي كالتماثيل التي كان يعبدها العرب قبل الإسلام، وهي ليست كتلك التي يتخذها الهندوس أو البوذيون. ففي الشرق التماثيل لها علاقة بالدين أو بالآلهة المزعومة بشكل أو بآخر. أما في الغرب فالتماثيل تعود إلى قادة، ومفكرين، وفلاسفة، وأباطرة. فكأن في الفكر الغربي المقصود هو الاحتفال والتأليه للإنسان. وقد يكون هذا هو السر وراء أن تكون هذه التماثيل عارية، فالإنسان عندهم لا عيب أو عورة فيه، فكيف يكون للإله عورة بحاجة إلى التغطية، فهو تجسيد للكمال
ولعل هذا التأليه للجنس البشري في الفكر الغربي هو السبب الحقيقي وراء التصورات المغلوطة لعلاقة الإنسان بالكون في أوروبا في القرون الوسطى. فقد كان التصور السائد عندهم أن الأرض، موطن البشر الآلهة، لا بد من أن تكون هي مركز الكون. وأن الشمس، والكواكب، والنجوم إنما تدور حولها. ولم تكن لهذه الخرافة أن تسقط لولا الدلائل الداحضة والتضحيات الكبيرة التي قام بها الكثير من العلماء في سبيل الحقيقة
وحتى في يومنا هذا تجدهم يحتفون بكتب مثل: “الإنسان الإله” لمؤلفه يوفال نوح هراري، وكتاب “ما فوق الإنسانية – دليل موجز إلى المستقبل” لمؤلفه نيك بوستروم. هذه وشبيهتها من الكتب تروج لفكرة أن البشر بتقدمهم التكنولوجي سيصبحون يوما ما آلهة. ونلاحظ هذا التوجه أيضا في أفلامهم ومسلسلاتهم. فمثلا في مسلسل رحلات النجوم المشهور، تجد أن البشرية قد بسطت سيطرتها على قطاعات كبيرة من الكون، ودخلت في تحالفات مع مخلوقات أخرى شبيهة. علما بأن قوانين الفيزياء والاعتبارات الهندسية تدل على استحالة هذا الشكل من التنقل بين النجوم والمجرات
وهل كل البشر عندهم آلهة أم هذه الألوهية مقصورة على صنف واحد من البشر، بلون بشرة معينة، والبقية هي عبارة عن حيوانات بشرية “تحت الإنسانية”!؟
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37)
الآيات 35-37 من سورة الطور
وصل اللهم، وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم
فراس جرار
السابع والعشرون من شهر شعبان 1445
الموافق 8 آذار 2024